من هوه اليماني؟بحث مفصل

الكاتب بتاريخ عدد التعليقات : 0

شخصية اليماني أكثر شخصيات عصر الظهور أهمية على الإطلاق، لا ترقى لها شخصية أخرى سوى شخصية الإمام المهدي (ع)، فقد ورد وصف اليماني في لسان الروايات الشريفة بمضامين عالية جداً، فرايته هي الوحيدة من بين الرايات التي استحقت وصف راية الهدى وأهدى الرايات.

وعلى الرغم من الأهمية البالغة لشخصية اليماني، وعلى الرغم من الأمر الصادر عن المعصوم (ع) بوجوب النهوض إلى اليماني  ومناصرته وعدم الالتواء عليه، كما نصت الرواية الواردة عن الباقر (ع)، إلا أننا لا نجد في الروايات الواردة عن آل محمد (ع) ما يعرفنا على اسمه مباشرة أو نصاً، حتى لتبدو هذه الشخصية الشريفة لغزاً محيراً يستوقف الأذهان ويضعها بإزاء علامة تساؤل كبيرة عن المغزى وراء هذا التستر على حقيقة هذه الشخصية.

ولعل من يطلع على ما كتبه بعض من تناول عصر الظهور وشخصياته يلاحظ بوضوح كيف تضطرب كلماتهم وتبدو عاجزة للغاية حين يتعلق الأمر بالحديث عن شخصية اليماني. 

فهذا السيد محمد الصدر صاحب الموسوعة المهدوية التي ربما عدها البعض أفضل ما كُتب في هذا الصدد، يكرس كلمات قليلة جداً لحديثه عن اليماني، يتجلى منها قصوره الواضح عن تبين حقيقة هذه الشخصية العظيمة.

بل إننا لا نعدم في بعض الكتابات القريبة العهد من يتناول شخصية اليماني منطلقاً من هاجس محاربة الدعوة الشريفة فيحاول التوهين أو حتى مصادرة المضامين العالية التي يوصف بها اليماني. 

يقول محمد السند في كتابه فقه علائم الظهور ص27 وما بعدها: 

(( إنّ مقتضى تعليل الرواية لراية اليماني بأنّها راية هدى؛ لأنّه يدعو إلى صاحبكم، هو إبداء التحفّظ على راية الحسني، وعدم خلوص دعوته إلى المهدي عجل الله فرجه، ويظهر من روايات اُخرى أنّ ذلك لتضمّن جيشه جماعة تقول إنّ الإمام والإمامة هي لمن يتصدّى علناً بقيادة اُمور المسلمين وإصلاحها لا أنّها بالنصّ الإلهي، وقد اصطلحت الروايات عليهم بالزيديّة، والمراد باللفظة المعنى النعتي والإشارة إلى ذلك المقال والمعتقد لا المسمّين بالزيديّة كاسم علم.

وبعبارة اُخرى: أنّ الحسني والخراساني يتبنّى الإمامة بالتصدّي للاُمور والإصلاح العلني، بينما يتبنّى اليماني أنّ الإمامة بالنصّ الإلهي على الاثني عشر آخرهم المهدي عجل الله فرجه ... ويقول أيضاً:

إنّ الرواية تعلّل حرمة الالتواء على اليماني بأنّه يدعو إلى الحق والصراط المستقيم وإلى المهدي عجل الله فرجه، فالمدار في مناصرته على توفّر الميزان والحدود الشرعيّة.

وبعبارة أدقّ: الرواية تدلّ على حرمة العمل المضادّ لحركته لإفشالها، ففرق بين التعبير بالإلتواء عليه والالتواء عنه، فكلمة "عليه" تفيد السعي المضاد لحركته لا صرف المتاركة لحركته بخلاف كلمة "عنه"، فإنّها تفيد الانصراف والابتعاد عن حركته. نعم الأمر بالنهوض إليه يفيد المناصرة، والظاهر أنّ مورده لمن كان في معرض اللقاء به والمصادفة لمسيره؛ إذ سيأتي استعراض طوائف من الروايات تحثّ على النهوض والتوجّه إلى مكّة المكرّمة للانخراط في الإعداد لبيعة الحجّة في المسجد الحرام.

وبعبارة اُخرى: أنّ الرواية كما تحدّد استعلام علامته بأنّه يدعو إلى المهدي عجل الله فرجه بنحو واضح وشفّاف، أي أنّ برنامجه الذي يدعو إليه متمحّض في إعلاء ذكر الإمام المنتظر والنداء باسمه والدعوة إلى ولاية المهدي (عليه السلام)، والالتزام بمنهاج أهل البيت عليهم السلام، كما أنّ هناك علامة اُخرى تشير إليها الرواية، وهي كون خروجه من بلاد اليمن، وهو وجه تسميته باليماني، كما أنّ استعمال الروايات لليمن بنحو يشمل كلّ تهامة من بلاد الحجاز، أي بنحو شامل لمكّة دون المدينة المنوّرة، لكن في بعض الروايات الإشارة إلى خروجه من صنعاء، كما سيأتي. ويتحصّل أنّ الرواية لا يستفاد منها أنّ اليماني من النوّاب الخاصّين والسفراء للإمام المنتظر عجل الله فرجه، ولا تشير إلى ذلك من قريب ولا بعيد، ولا دلالة لها على وجود ارتباط واتّصال له مع الحجّة (عليه السلام)، وإنّما تجعل المدار على كون البرنامج الذي يدعو هو على الميزان الحقّ لأهل البيت عليهم السلام، وأنّه لا ينادي إلى تشكيل دولة هو يترأّسها، بل يواكب خروجه زمان الصيحة والنداء من السماء الذي يدعو إلى نصرة المهدي عجل الله فرجه، فيكون خروج اليماني على ضوء برنامج الصيحة السماويّة ونداء جبرئيل )). 

ما يحاول السند أن يقوله في هذا الكلام العجيب الغريب هو: إن المديح الواضح والإشادة العظيمة التي نطقت بها كلمات الإمام الباقر (ع) لليماني بقوله: (لأنه يدعو الى صاحبكم) وقوله: (فإن رايته راية هدى) و (هي أهدى الرايات) و ( الملتوي عليه من أهل النار ) و ( لأنه يدعو إلى الحق وطريق مستقيم ) كل هذا وغيره ليس مديحاً لراية اليماني، ولا إشادة بها، وإنما هو ذم وتحفظ على راية الحسني لا أكثر؟!  ولا أدري والله ما عسى الإمام الباقر (ع) يقول فيما لو أراد الإشادة براية اليماني... هل للسند أن يخبرنا؟؟

أسألكم بالله لو أراد أحدكم أن يذم شخصاً، هل يلجأ الى مدح شخص آخر لتتحقق له غايته؟ ألا يخشى أن يفهم المستمع أن الشخص الممدوح يستحق المديح؟ 

نعم يمكن ذلك إذا أثنيت على شخص وسكت عن الآخر فالسامع سيفهم أن الشخص المسكوت عنه لا يستحق ثناء مثل صاحبه، ولكن الثناء الذي يقال هنا ثناء حقيقياً يكشف عن استحقاق المثني عليه، وليس مجرد كلمات فارغة كما يريد أن يوهمنا السند.

ويقول السند إننا لكي ننصر اليماني لابد أن نتبين أولاً هل حركته توافق الشرع أم لا؟! عجيب والله، الإمام الباقر (ع) يقول إن رايته راية هدى وإنه يدعو الى الحق والى طريق مستقيم، ويأمر بالنهوض إليه، ويأتي السند ليطالبنا بالبحث والتحقق من موافقة حركته للشرع ! وكأن كلام الإمام الباقر لا قيمة ولا حجية له (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً). وتطل علينا العبقرية والفرادة بذلك التوجيه لحرمة الإلتواء على اليماني بأن المراد منها عدم السعي المضاد لحركته لا صرف المتاركة لحركته. أي أن سماحته يشفق علينا كثيراً ويفهمنا أن الحرمة في الالتواء على اليماني منصبة على مناوئته والعمل المضاد لحركته فقط، أما الابتعاد عنه وعدم نصرته فالحرمة لا تطالها.                     

وأنا أسأل السند بحق من يعبد ما هي الحكمة والمصلحة وراء تخذيله الناس عن نصرة اليماني؟ ومن أين أتى بهذا التوجيه، والأمر بالنهوض صريح في المبادرة والإسراع للنصرة؟ ثم من أين جاء بقوله: (والظاهر أن مورده لمن كان في معرض اللقاء به والمصادفة لمسيره)؟ هل نصت الرواية على شيء من هذا أم إنها أهواء تتبع؟ إن أمر الإمام الباقر (ع) بالنهوض إليه وعدم الإلتواء عليه متوجه الى الناس جميعاً ولا دليل إطلاقاً على أنه مقتصر على من يصادف مسيره أو يلتقيه في الطريق. ثم ألا يدل الأمر بالنهوض إليه على أن المقصود منه كل إنسان يسمع بحركته؟

والحق إن تمييز الشيخ بين (الالتواء عنه) و (الالتواء عليه) محض تمحل ليس إلا. فطالما كانت راية اليماني راية هدى وكان هو حجة مفترض الطاعة، والأمر بالنهوض إليه يشمل الجميع، فالملتوي عنه؛ أي الذي يسمع بحركته و يتقاعس عن نصرته فهو من أهل النار حتماً، لأنه متمرد على أمر المعصوم بالنهوض إليه ونصرته. وعلى أية حال سنرى في مستقبل البحث أن اليماني هو نفسه القائم، فالمتمرد عليه متمرد على القائم ومتخاذل عنه. وللأسف الشديد لا يبدو أن الشيخ السند يقف عند حد، ويأبى إلا التمادي، فبعد أن ينقل الرواية الآتية الواردة عن الإمام الباقر (ع):((كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يقوموا، ولا يدفعونها إلا الى صاحبكم. قتلاهم شهداء، أما إني لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر)) (فقه علائم الظهور: 33). يعلق الشيخ قائلاً:((فإرشاده الى التحفظ على النفس حتى يظهر الحجة عجل الله فرجه، وادخار النفس لنصرته مؤشر عام على اتخاذ الحيطة في التيارات والقيادات التي تظهر قبيل المهدي عجل الله فرجه، في سنة ظهوره، وعدم خلوص تلك الجماعات عن شوب الاختلاط في الأوراق والبصيرة، كما إنه دال على أرجحية ادخار النفس والنصرة إلى خروج المهدي عجل الله فرجه من مكة على الإلتحاق براية اليماني فضلاً على غيرها من الرايات)) (نفسه: 33 – 34).                                                                                             

الشيخ إذن يقول إنه لن يلتزم بما ورد في رواية اليماني من أمر بالنهوض إليه ونصرته، ويدعو الناس الى تبني موقفه هذا، وعذره في ذلك أن الإمام الباقر نفسه يقول في الرواية الأخيرة إنه سيدخر نفسه الى ظهور صاحب الأمر!! أقول على الرغم مما ينطوي عليه فهم الشيخ من خطل كشفنا عنه عند البحث في الرايات السود المشرقية، فإنني أشير هنا الى عدة أمور منها؛ إن من المخجل أن يصدر مثل هذا القول عن رجل يدعي إنه من المدافعين عن الدين، ثم يلجأ الى ضرب أحاديث أهل البيت (ع) بعضها ببعض وكأنها لا تصدر عن مشكاة واحدة. أليس الشيخ يقول إنه لن يلتزم بالرواية التي تحض على نصرة اليماني، وإنما سيلتزم بتلك التي تدعو لادخار النفس لصاحب الأمر؟ سبحان الله هل يعتقد السند إن الإمام الباقر (ع) يناقض نفسه فيأمر بالشيء ثم يعود ليأمر بخلافه؟ وهل يعتقد أن راية اليماني من الرايات التي يشوبها الاختلاط في الأوراق، مع إنها موصوفة بالهدى؟ وبعد مناقشته التي عرضنا خطوطها الأساس يخلص الشيخ الى النتيجة الآتية:(ويتحصل إن الرواية لا يستفاد منها إن اليماني من النواب الخاصين والسفراء للإمام المنتظر عجل الله فرجه، ولا تشير الى ذلك من قريب، ولا من بعيد، ولا دلالة لها على وجود ارتباط واتصال له مع الحجة (ع)) (فقه علائم الظهور: 28 – 29). أقول: سيأتي بيان أن اليماني مرسل من الإمام المهدي (ع) وإنه هو القائم بالسيف. ولا أدري حقاً كيف فهم السند الأمر بالنهوض لليماني، وهو أمر لا يستثنى منه أحد، كما هو واضح، وعلى الجميع أن يلتزموا به وهو يقتضي بالنتيجة أن تكون ثمة دعوة يباشرها اليماني بين الناس ليتسنى لهم معرفته من خلالها وتمييز رايته عن الرايات الأخرى المشتبهة، فسيأتي في مبحث لاحق إن إثنتا عشرة راية مشتبهة سترفع، أقول إذا كان لابد من دعوة فلابد من سفارة تستند عليها الدعوة، ولو قلنا بعدم السفارة كما ذهب إليه السند فالدعوة منعدمة، والأمر بالنهوض إذن يصبح لغواً لا معنى له، إذ كيف يكون النهوض وعلى أي أساس، هل ننهض لكل من هب ودب دون التثبت من أنه هو اليماني الموعود؟ أم إن علينا القبول بنظرية السند الكاريكاتورية فنقول إن الأمر بالنهوض يلزم من صادف اليماني في الطريق فقط، فهذا وحده من يجب عليه أن يحسم أمره، وفي الوقت القصير المتاح له (ربما ساعة، وربما أقل = لم يحدد لنا السند وقتاً)، فأما الى الجنة وأما الى النار. 

وبخلاف السند علل الكوراني في كتابه عصر الظهور كون راية اليماني راية هدى بقوله: (ولكن المرجح أن يكون السبب الأساسي في أن ثورة اليماني أهدى، إنها تحظى بشرف التوجيه المباشر من المهدي عليه السلام، وإنها جزء من خطة حركته عليه السلام، وأن اليماني يتشرف بلقائه ويأخذ توجيهه منه ) (عصر الظهور:114). وقد أضاف لهذا النص في كتابه (المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي: 619) عبارة: ( فاليماني سفيره الخاص ).                                   

ولكن الكوراني بدوره لا يسلم من العثار بل لعله لا يقل رعونة عن السند، فهو يوقع نفسه بمأزق من نوع آخر حين تقوده تخرصاته إلى اليمن البعيدة زاعماً أن اليماني يخرج من هناك، وستأتي مناقشة هذا الزعم لاحقاً.

وفي بحث له منشور على موقع براثا بعنوان ( اليماني أهدى الرايات ) يعيد جلال الصغير الهوية العراقية لليماني، وينفي مطلقاً أن يكون اليماني من اليمن، يقول: ( وفي العموم فإن الروايات الصحيحة والموثوقة والمعتبرة لا تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى كون الرجل من اليمن، بل إن منشأ الوهم الذي جعل البعض ينسب الرجل إلى اليمن هو إما روايات عامية أو روايات ضعيفة سندا ومضطربة متنا، أو روايات لا نستطيع الاعتماد عليها لمجهولية مصدرها ).

ولكن الصغير الغاطس في اللعبة السياسية الأمريكية التي يقود لواءها فقهاء آخر الزمان الخونة يشفق كثيراً على نفسه، ويتراءى لعينيه حظه العاثر الذي جعله في موقف مباين تماماً لموقف اليماني، فالصغير فتنته الديمقراطية وحاكمية الناس، بينما اليماني لا يرتضي بدلاً بحاكمية الله والتنصيب الإلهي للحاكم كما اعترف السند آنفاً، لكل هذا يبادر الصغير لإقحام هذه الفقرة في كلامه، يقول: ( ولن يفوت اليماني ما طرحه الإمام المنتظر (روحي فداه) في شأن المرجعية الشرعية في غيبة الإمام (صلوات الله عليه)، ولهذا فإنه حتماً سيضع الحديث الشريف الوارد في توقيع الإمام المنتظر (بأبي وأمي) الذي يرويه الشيخ محمد بن عثمان العمري (رضوان الله تعالى عليه): وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم. وهذا الحديث الذي لا يمكن لكل مهدوي أن يغفله أو يتهاون في شأنه، سيكون حجر الزاوية في طبيعة المنهج العقائدي والفكري الذي سيلتزم به اليماني ويلزم به جيشه وجنده، ولهذا لابد وأن نجد اليماني لصيقاً في بنية المرجعية الدينية، ولهذا فهو إما من أهل الشأنية العلمية العالية بحيث توصله إلى مقام المرجعية، وهو مما لا نجد دليلاً قوياً عليه في الروايات، لأن الرجل لا يشار إلى علمه في الروايات، رغم إن حديث الإمام (صلوات الله عليه) عن مواصفاته تبرز أن العلم الذي لديه علماً صافياً يمكن الركون إليه، بحيث أشار إلى أنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وإما أن يكون تابعاً وفياً للمرجعية الدينية التي تمثل الخط الهادي لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ليكون حديث الإمام المتقدم عن وجوب نصرته وعدم الالتواء عليه مستمد من تبعيته وطاعته للمرجعية، وان تصرفاته لا تخرج من طوع المرجعية الدينية ).

حقيقة كلمات الصغير هذه تدعو للرثاء، وهي أشبه ما تكون بالبضائع التي يتم تهريبها عبر دسها بين بضائع أخرى مشروعة.

فهو يقول عن اليماني: ( إن حديث الإمام (صلوات الله عليه) عن مواصفاته تبرز أن العلم الذي لديه علماً صافياً ( كذا والأصح: علم صاف ) يمكن الركون إليه، بحيث أشار إلى أنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم ). وهو كلام يتضح منه أن اليماني لا يحتاج أبداً لبدع مرجعياتهم وحوزاتهم فهو ينهل من النبع الصافي. كما إن الصغير يقول: (وإما أن يكون تابعاً وفياً للمرجعية الدينية التي تتمثل الخط الهادي لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ليكون حديث الإمام المتقدم عن وجوب نصرته وعدم الالتواء عليه مستمد من تبعيته وطاعته للمرجعية، وان تصرفاته لا تخرج من طوع المرجعية الدينية).

فسبحان الله إذا كان الإمام (ع) يأمر بنصرته وعدم الإلتواء عليه كما يعترف الصغير، كيف يريده إذن أن يكون تابعاً مطيعاً للمرجعية، وتصرفاته لا تخرج عن طوعها، هل هو تابع أم متبوع يا صغير ؟

وإذا كان الصغير يشير من خلال التوقيع الوارد عن الإمام (ع): (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم ) يشير إلى أن مراجعه حجج نصبهم الإمام (ع) وهم بالتالي مفترضو الطاعة، فما أبعده عن الصواب إذن، فالتوقيع يشير إلى رواة الحديث لا فقهاء الضلالة الخونة كما وصفهم رسول الله (ص)، ثم إن الصغير اعترف بلسانه بأن اليماني يغترف من منهل الإمام المهدي العذب وهذا يجعله على أقل تقدير – وفي صدد النقض على الصغير – ممن يشملهم وصف رواة الحديث، وعليه ما حاجته لإتباع فقهاء أمريكا؟

ولكن مسلسل التخبط الحوزوي السيستاني لا يقف عند حد فهذا السيد محمد الحلو في كتابه ( اليماني راية هدى ): (  في ظلّ هذه الظروف الهائجة يتحرّكُ ثائرٌ قحطاني من القبائل القحطانيّة من أهل اليمن ليكون معبّئاً للتصدّي، ومن ثمّ رفع شعارات الإصلاح ضدّ ما يعانيه الجميع من هذه الانتهاكات، أي ستكون اليمن مسرحاً للجماعات الإصلاحيّة كما هو مسرحاً للجماعات الارهابيّة وتنظيماتها، وعلى ضوء ذلك فإنّ الثائر اليماني تُجيشُ لديه دوافع الإصلاح، وتتصاعدُ عنده دواعي الرغبة في الثورة على كلّ ما هو مخالفٌ للقيم، بمعنى آخر سيكون هذا اليماني ردّة فعلٍ للصراعات الفكريّة التي تُحدثها جماعاتٍ يمنيّةٍ أو تأوي إلى اليمن لتنفيذ برامجها هناك ).

إذن السيد محمد الحلو يشطب على الهوية العراقية التي أعادها الصغير لليماني، ويدمغ على هويته من جديد بالختم اليمني.

وليس هذا التناقض هو الوحيد بينه وبين الصغير، فهو يناقضه أيضاً فيما ذهب إليه من أن اليماني مقلد للمرجعية شأنه شأن الصغير، فيقول: ( اليماني ينطلق من دعوته الإصلاحيّة على أساس رؤية أهل البيت عليهم السلام الذين يمثّلون الإسلام المحمّدي، ودعاوى الإصلاح الاُخرى ستنطلق من رؤيةٍ مناوئةٍ لأهل البيت عليهم السلام، أي ستُبتلى بأزمة (التسييس الديني)، وهي الأزمة التي ستخلق فيما بعد إسلاماً مسيّساً تنظيماً يتعارض وبكلّ تأكيد مع الإسلام الأصيل، أي سيُبرمج الإسلام الآخر على أساس المعطيات السياسيّة أو سيتمادى حتّى يصل إلى الإسلام الإقليمي والطائفي والذي سيخلق فيما بعد أزمة الفهم العقلاني للإسلام الحقيقي، أي ستكون أزمة العقلنة في الانتماء إحدى المشاكل المعرقلة لتقدّم الحركات الرافعة لشعارات الإصلاح، فهي بقدر نداءها للإصلاحات الدينيّة وإظهار حرصها على ذلك من خلال ما ترفعه هذه الجهات إلاّ أنّها تتردّد في قبولها لدعوة اليماني الإصلاحيّة، وهو ما يفسّر لنا تكالب الحركات الداعية للإصلاح على المستوى التنظيمي أو على المستوى العامّ من الوقوف اتّجاه دعوة اليماني موقفاً سلبيّاً داعياً إلى تصفيتها ).

السيد الحلو إذن يضع أصبعه في هذا النص المقتبس على حقيقة جلية تتمثل بمحاربة الأحزاب والمرجعيات المنتحلة اسم الإسلام، ووقوفها السلبي من دعوة اليماني.

******

الحق إن من يطلع على روايات آل محمد (ع) المتعلقة بحركة عصر الظهور وشخصياته يمكنه أن يلاحظ بوضوح كاف أن الغموض والتكتم المحيط بشخصية اليماني أمر مقصود تماماً، وهذا الأمر أشارت له كلمات بعض من كتب عن هذه الشخصية المقدسة. ويمكن في هذا الصدد أن نذكر أسباباً عديدة لهذا الغموض؛ منها على سبيل المثال حرصهم عليهم السلام على الحفاظ على شخصه من غائلة الأعداء، ومنها حرصهم على عدم انكشاف خطة عصر الظهور وحركته لأعدائهم، ومنها أيضاً قطع الطريق على المنتحلين والمدعين، ويمكن إضافة أسباب أخرى، غير أن السبب الأهم الذي يمكن تحشيد الكثير من النصوص المؤيدة له يتمثل بالفتنة والاختبار الذي سيمر به الناس في عصر الظهور وتكون نتيجته كما دلت الكثير من روايات آل محمد (ع) خروج أكثر الناس والمتشيعة منهم على وجه التحديد من ولاية أهل البيت (ع) كما سبق أن ذكرنا في مبحث متقدم.

والمقصود من الاختبار هنا هو وجود دعوة يباشرها اليماني (ع) لأخذ البيعة للإمام المهدي (ع)، وغربلة الناس لمعرفة الصالح من الطالح منهم، وتمييز الشيعة الحقيقيين من المتشيعة. 

وقد سبق أن ذكرت في مبحث سابق بعض الروايات التي تنص على وجود غربلة وتمحيص، ولا بأس في هذا الموضع من ذكر رواية وردت في كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق - ص 352 وما بعدها، وهي رواية طويلة، أقتبس منها موضع الشاهد، وهي كما سترون تدل بوضوح بالغ، بل تنص على خروج من كانت طينته خبيثة عن حد التشيع لآل محمد (ع): 

(( عن سدير الصيرفي قال : دخلت أنا والمفضل بن عمر ، وأبو بصير ، وأبان بن تغلب على مولانا أبى عبد الله الصادق عليه السلام فرأيناه جالسا على التراب وعليه مسح خيبري مطوق بلا جيب ، مقصر الكمين ، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى ، ذات الكبد الحري ، قد نال الحزن من وجنتيه ، وشاع التغيير في عارضيه ، وأبلى الدموج (والدموج هو التداخل والظلمة) محجريه وهو يقول : سيدي غيبتك نفت رقادي ، وضيقت علي مهادي ، وابتزت مني راحة فؤادي سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجايع الأبد، وفقد الواحد بعد الواحد يفنى الجمع والعدد ، فما أحس بدمعة ترقى من عيني وأنين يفتر من صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا إلا مَثل بعيني عن غوابر أعظمها وأفظعها ، وبواقي أشدها وأنكرها ونوائب مخلوطة بغضبك ، ونوازل معجونة بسخطك . قال سدير : فاستطارت عقولنا ولهاً ، وتصدعت قلوبنا جزعا من ذلك الخطب الهائل ، والحادث الغائل ، وظننا أنه سمت لمكروهة قارعة ، أو حلت به من الدهر بائقة ، فقلنا : لا أبكى الله يا ابن خير الورى عينيك من أية حادثة تستنزف دمعتك وتستمطر عبرتك ؟ وأية حالة حتمت عليك هذا المأتم ؟ . قال : فزفر الصادق عليه السلام زفرة انتفخ منها جوفه ، واشتد عنها خوفه ، و قال : ويلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خص الله به محمدا والأئمة من بعده عليهم السلام ، وتأملت منه مولد غائبنا وغيبته وإبطاءه وطول عمره وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان ، وتولد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينهم ، وخلعهم ربقة الاسلام من أعناقهم التي قال الله تقدس ذكره : " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " - يعني الولاية - فأخذتني الرقة ، واستولت علي الأحزان فقلنا : يا ابن رسول الله كرمنا وفضلنا بإشراكك إيانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك . قال : إن الله تبارك وتعالى أدار للقائم منا ثلاثة أدارها في ثلاثة من الرسل عليهم السلام ... إلى قوله: قال الصادق عليه السلام : وكذلك القائم فإنه تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم عليه السلام )). 

والدليل على أن ثمة دعوة يباشرها اليماني (ع) هو ما نصت عليه الرواية الواردة عن الإمام الباقر (ع) وفيها قوله (ع): (لأنه يدعو إلى صاحبكم) وهو صريح في هذا الصدد غير أني بعون الله سوف استكمل البحث في هذا الموضوع إتماماً للدليل. 

وأود الشروع بهذا المبحث انطلاقاً من الرواية الواردة عن أبي عبدالله (ع)، فعن محمد بن عصام، قال: حدثني المفضل بن عمر، قال:(كنت عند أبي عبدالله (ع) في مجلسه ومعي غيري، فقال لنا: إياكم والتنويه... الى قوله: ولترفعن إثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يعرف أي من أي. قال المفضل: فبكيت، فقال لي: ما بيكيك؟ قلت: جعلت فداك كيف لا أبكي وأنت تقول: ترفع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أي من أي؟ قال: فنظر الى كوة في البيت، التي تطلع فيها الشمس في مجلسه، فقال: أهذه الشمس مضيئة؟ قلت: نعم. فقال: والله لأمرنا أضوء منها) (غيبة النعماني: 153 – 154).

معلوم إن معنى الرايات المشتبهة هو إنها ترفع شعاراً واحداً، الأمر الذي يترتب عليه التباسها على الناس فلا يميزون الصالح من الطالح منها، بل أكثر من هذا إن التشابه منشؤه هو إن هذه الرايات تتشبه بالشعار الذي ترفعه راية الحق، مع إنها في جوهرها رايات ضلال.

فقد ورد عن الحصين بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن جده عمرو بن سعد ، قال : (( " قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : لا تقوم القيامة حتى تفقأ عين الدنيا ، وتظهر الحمرة في السماء ، وتلك دموع حملة العرش على أهل الأرض حتى يظهر فيهم عصابة لا خلاق لهم يدعون لولدي وهم براء من ولدي ، تلك عصابة رديئة لا خلاق لهم ، على الأشرار مسلطة ، وللجبابرة مفتنة ، وللملوك مبيرة ، تظهر في سواد الكوفة ، يقدمهم رجل أسود اللون والقلب ، رث الدين ، لا خلاق له ، مهجن زنيم عتل ، تداولته أيدي العواهر من الأمهات من شر نسل لا سقاها الله المطر في سنة إظهار غيبة المتغيب من ولدي صاحب الراية الحمراء والعلم الأخضر )). كتاب الغيبة - محمد بن إبراهيم النعماني - ص 149 – 150.

إذن كيف يتسنى للناس فحص الرايات والتمييز بينها إن لم تكن ثمة دعوة يتعرف الناس من خلالها على الراية الحق؟ ثم كيف تكون راية الحق أضوء من كل الرايات؟ وكيف يتعرف الناس على هذا الضوء، والحال أن كل الرايات تطرح أفكاراً مشتبهة، أي يشبه بعضها بعضاً في الظاهر؟ أليس يتم ذلك من خلال دعوة يعرف منها الناس الحق من الباطل؟

عن أبي عبدالله (ع):(يا سدير إلزم بيتك... الى قوله: فإذا بلغك إن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو حبواً على رجلك) (إلزام الناصب / ج2: 109 – 110). والراية التي ترافق خروج السفياني هي راية اليماني، والأمر بالرحيل إليها يقتضي وجودها بفترة معتد بها قبل التحرك المسلح (أي قبل الخروج) ليتعرف عليها الناس، ويرحلوا إليها.

وفي الغيبة - الشيخ الطوسي - ص 463:

( عن عمار بن ياسر أنه قال: إن دولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان ، ولها إمارات ، فإذا رأيتم فالزموا الأرض وكفوا حتى تجئ إماراتها . فإذا استثارت عليكم الروم والترك ، وجهزت الجيوش ، ومات خليفتكم الذي يجمع الأموال ، واستخلف بعده رجل صحيح ، فيخلع بعد سنين من بيعته ، ويأتي هلاك ملكهم من حيث بدأ ويتخالف الترك والروم ، وتكثر الحروب في الأرض ، وينادي مناد من سور دمشق : ويل لأهل الأرض من شر قد اقترب ، ويخسف بغربي مسجدها حتى يخر حائطها ، ويظهر ثلاثة نفر بالشام كلهم يطلب الملك ، رجل أبقع ، ورجل أصهب ، ورجل من أهل بيت أبي سفيان يخرج في كلب ، ويحضر الناس بدمشق ، ويخرج أهل الغرب إلى مصر . فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني ، ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد عليهم السلام ).

وفيه نص على أن ثمة من يدعو لآل محمد (ع) قبل خروج الإمام المهدي (ع).

بل ورد في رواية اليماني أن الملتوي عليه من أهل النار، فعن أبي جعفر الباقر (ع) قال: (خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد؛ نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كل وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى، لأنه يدعو إلى صاحبكم. فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس، وكل مسلم، وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإن رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنه يدعو إلى الحق، والى طريق مستقيم) ( غيبة النعماني: 264). 

وإذا كان الملتوي على اليماني من أهل النار فلابد من وجود دعوة تُعرّف به، وتدفع الشبهات التي من المتوقع أن يثيرها المنحرفون. ولا أظن عاقلاً مطلعاً على أحوال عصر الظهور وفتنه وكثرة الرايات فيه يقبل بطرح السند الذي يذهب فيه إلى أن من يصادف اليماني في الطريق عليه أن يحسم أمره ويتعرف عليه.                                                                                                                 

إذن من هذه الروايات يتبين أن الضرورة تقتضي وجود دعوة يتسنى للناس من خلالها أن يتعرفوا على راية الحق ليتبعوها.

وعلى أية حال ليس أمر الدعوة التي نتحدث عنها نتيجة تقتضيها الضرورة فقط، بل إنها حقيقة تنص عليها الروايات، وقد تقدم أن اليماني يدعو للإمام المهدي (ع)، وقد ورد في عيون أخبار الرضا (ع) - الشيخ الصدوق - ج 1 - ص 218:

( فقال الرضا عليه السلام: ... إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء).

وفي كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق - ص 201:

(( عن إسماعيل بن مسلم ، عن الصادق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الإسلام بدء غريبا وسيعود غريبا ، فطوبى للغرباء )).

وفي مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 11 - ص 323

عن علي ( عليه السلام ) قال : ( قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء ، فقيل : ومن هم يا رسول الله ؟ قال : الذين يصلحون إذا فسد الناس ).

وفي شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي - ج 3 - ص 371:

(( عن أبي بصير ، قال : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام يقول : إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء . قال أبو بصير : فقلت له : اشرح لي هذا ، جعلت فداك يا بن رسول الله . قال عليه السلام : يستأنف الداعي منا دعاء جديدا كما دعا رسول الله )).

وقوله (ع): (يستأنف الداعي منا دعاء جديدا كما دعا رسول الله ) يدل بوضوح على الدعوة التي نتحدث عنها، كما إن هذا القول ورد في معرض الجواب عن سؤال أبي بصير وهو قوله: ( اشرح لي هذا ) الأمر الذي يعني أن عودة الإسلام غريباً نتيجة لهذا الدعاء الجديد الذي يستأنفه الداعي من آل محمد (ع). وفيه كما لا يخفى إشارة لطيفة إلى أن اليماني من آل محمد (ع). 

وفي كتاب الغيبة - محمد بن إبراهيم النعماني - ص 336:

((عن أبي بصير ، عن كامل ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) أنه قال : " إن قائمنا إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا إليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله )، وإن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء )).

وفيه إن القائم (ع) هو من يدعو إلى الأمر الجديد، وبالجمع بين هذه الرواية ورواية اليماني يتحصل أن اليماني هو القائم بالسيف، وهو معنى سيأتي تحقيقه في محله، ولكن لابأس هنا من الإشارة إلى أنه قد ورد عن الإمام الصادق (ع): (... إن أول قائم يقوم منا أهل البيت يحدثكم بحديث لا تحتملونه، فتخرجون عليه برميلة الدسكرة فتقاتلونه فيقاتلكم فيقتلكم، وهي آخر خارجة تكون ) (بحار الأنوار / ج52: 375). وقوله  أول قائم يدل حتماً على وجود أكثر من قائم، وأولهم لابد أن تكون مهمته التمهيد للثاني. وقوله يحدثكم يستبطن معنى وجود دعوة، يقدم من خلالها الأدلة على كونه هو القائم الأول، ويحدث الناس بالأمر الجديد الذي جاء به ( دعا الناس الى أمر جديد).

بل إن هذا الأمر الجديد لابد أن يستوقفنا، فكونه جديداً يعني أن الناس لم يسبق لهم معرفة به، أو على الأقل هو يحتاج إلى جهود لإثباته لهم وتعريفهم به. ولكم أن تتصوروا الكيفية التي يطرح بها هذا الأمر الجديد كما تصفه الروايات، فهل يطرحه على مجموعة صغيرة من الناس، أم لابد من إيصاله إلى العدد الأكبر منهم؟ وما هي الوسيلة التي يستخدمها، وكم يلزمه من وقت؟ وإذا أضفنا لما تقدم ما ورد في الدعاء، وهو قولهم: (ملبياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي)[ مزار المشهدي/664] ، فلكم أن تتصور هذه الدعوة التي لا تقف عند حدود سكان الحواضر أو المدن، بل تتعداها إلى البوادي، أقول كم يلزمها من وقت وجهد، لاسيما في ظل وجود الرايات المشتبهة و الأعداء الكثيرين؟ وبعودة إلى الحديث أقول إن قوله (ع): (وهي آخر خارجة ينطوي على معنى أن هناك وقعات تسبق وقعة رميلة الدسكرة، وهذه الوقعات تتطلب تفاعلاً متواصلاً بين الناس والدعوة بكل تأكيد. وهذا ما يؤكده قول الإمام الصادق (ع):(الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. فقلت: إشرح لي هذا أصلحك الله؟ فقال: مما يستأنف الداعي منا دعاء جديداً، كما دعا رسول الله (ص)). يستأنف، أي يبدأ من جديد، وكما واجه رسول الله (ص) أناساً يعكفون على أصنام لهم سيواجه القائم أناساً هذه يقلدون أصناماً بشرية تتأول عليه القرآن، وكما حدث مع رسول الله (ص) سيتعرض القائم لسخرية الناس وتكذيبهم، وسيتبعه منهم نفر قليل ينعتهم الناس بالقول: ما نراك اتبعك إلا أراذلنا. وبكلمة واحدة ستعاد دعوة الرسول الأكرم (ص) بكل تفاصيلها، وستكون نتيجة الدعوة خروج الكثير ممن ينتحلون الإسلام زوراً، ومثلهم الكثير ممن يدعون التشيع. فعن أبي جعفر (ع):(لتمحصن يا شيعة آل محمد تمحيص الكحل في العين، وإن صاحب العين يدري متى يقع الكحل في عينه، ولا يعلم متى يخرج منها، وكذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا  ويمسي وقد خرج منها، ويمسي على شريعة من أمرنا ويصبح وقد خرج منها) (غيبة النعماني: 214).    

يعلق الشيخ النعماني على هذا الحديث بقوله:((أليس هذا دليلاً على الخروج من نظام الإمامة، وترك ما كان يعتقد منها)) (نفسه: 215). ولعلكم شعرتم بما ينطوي عليه تشبيه الخروج من نظام الإمامة بخروج الكحل من العين -  حيث لا يدري صاحب الكحل متى يقع الكحل من عينه – من معنى السرعة و الفجاءة، فكأن الخروج يحدث بين عشية وضحاها. الأمر الذي يستلزم وجود امتحان يخضع له الشيعة ويفشلون به، وهذا يستلزم بدوره وجود دعوة بالتأكيد. بل لابد أن يكون صاحب الدعوة حجة مفترض الطاعة، لا يسع الناس مخالفته، ولن يكون هذا الشخص سوى اليماني صاحب راية الهدى، وسيأتي بيان أن اليماني حجة مفترض الطاعة.   

وفي غيبة النعماني أيضاً- ص 336 – 337:

(( عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنه قال : " الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء . فقلت : اشرح لي هذا ، أصلحك الله . فقال : مما يستأنف الداعي منا دعاء جديدا كما دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) " . وأخبرنا عبد الواحد بن عبد الله بهذا الإسناد ، عن محمد بن سنان ، عن الحسين بن المختار ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، مثله  . ويقول النعماني: وبهذا الإسناد عن ابن سنان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن مالك الجهني ، قال : " قال : قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : إنا نصف صاحب هذا الأمر بالصفة التي ليس بها أحد من الناس . فقال : لا والله ، لا يكون ذلك أبدا حتى يكون هو الذي يحتج عليكم بذلك ويدعوكم إليه )).

أقول تقدم في مبحث الرايات السود أن صاحب هذا الأمر تعبير يراد به صاحب الرايات السود، وهو نفسه اليماني والقائم كما سيتحقق لاحقاً.

وفي غيبة النعماني أيضاً - ص 337 – 338:

(( خبرني عن قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء ؟ فقال : يا أبا محمد ، إذا قام القائم ( عليه السلام ) استأنف دعاء جديدا كما دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . وقال: فقمت إليه وقبلت رأسه ، وقلت : أشهد أنك إمامي في الدنيا والآخرة ، أوالي وليك ، وأعادي عدوك ، وإنك ولي الله . فقال : رحمك الله )). 

وفي مشكاة الأنوار - علي الطبرسي - ص 491 – 492:

(( عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : من أحب أن يذكر خمل ، ومن أحب أن يخمل ذكر. وعنه ( عليه السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء ، ثم قال : أما رأيت الرجل يكون في القبيلة صالحا ، فيقال : إن فلانا لغريب فيهم )).

وفيه إشارة بليغة إلى أن معنى الغريب الذي نطقت به الروايات هو فرادة المؤمنين أو قلتهم وندرتهم، وهو أمر يذكر بسقوط الأكثرية في الامتحان.   

وفي بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 8 - ص 12:

(( تفسير العياشي : عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول أمير المؤمنين عليه السلام : الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما كان فطوبى للغرباء ، فقال : يا أبا محمد يستأنف الداعي منا دعاءا جديدا كما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله . فأخذت بفخذه فقلت : أشهد أنك إمامي . فقال : أما إنه سيدعى كل أناس بإمامهم : أصحاب الشمس بالشمس وأصحاب القمر بالقمر ، وأصحاب النار بالنار ، وأصحاب الحجارة بالحجارة . توضيح : قال الجزري : فيه : إن الإسلام بدا غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء . أي أنه كان في أول أمره كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده، لقلة المسلمين يومئذ ، وسيعود غريبا كما كان أي يقل المسلمون في آخر الزمان فيصيرون كالغرباء ، فطوبى للغرباء أي الجنة لأولئك المسلمين الذين كانوا في أول الإسلام و يكونون في آخره ، وإنما خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولاً وآخراً و لزومهم دين الإسلام )).

أقول والصبر على الأذى يستلزم وجود الدعوة والبلاغ والتكذيب، والتعرض للسخرية كما حصل على عهد رسول الله (ص)، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.

والحق إن القول بوجود دعوة هو المفتاح الوحيد الذي يمنحنا إمكانية فهم جملة من الأحاديث، منها؛ قول الإمام الباقر (ع):(إن حديثكم هذا لتشمئز منه قلوب الرجال، فانبذوه إليهم نبذاً، فمن أقره به فزيدوه، ومن أنكر فذروه. إنه لابد أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة و وليجة حتى يسقط من يشق الشعرة بشعرتين، حتى لايبقى إلا نحن وشيعتنا) (الكافي ج1: 370). والمقصود من الشيعة في عصر الظهور هم الأقل والأندر كما نصت عليه أحاديث الطيبين. والفتنة التي تبقي هذا العدد وتميزه عن جمهور مدعي التشيع لابد أن تكون دعوة لا يقبلها إلا من أخذ الله ميثاقه في عالم الذر كما ورد عنهم (ع). فعن أبي عبدالله (ع):(أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون، ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه... الى قوله،  فقلت: فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة، الذين يقولون إنهم يتشيعون؟ فقال: فيهم التمييز، وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل) ( النعماني: 211). فهؤلاء الذين يدعون إنهم شيعة يقع فيهم التمحيص حتى لا يبقى منهم إلا الأندر فالأندر كما ورد عن أبي الحسن الرضا (ع):(والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم، حتى تمحصوا، وتميزوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر) (نفسه: 190). أقول وقد يتوهم بعضهم فيرى أن التمحيص هو ما جرى على الشيعة منذ بداية الغيبة الكبرى إلى يوم الظهور، وهذا صحيح على الجملة، ولكنه لم ينتج سقوط الغالبية العظمى، وخروجهم من نظام الإمامة – بحسب تعبير الشيخ النعماني – بل الواقع يشير إلى تزايد عدد المتشيعين، فعليه لابد أن يكون التمحيص الذي يشير إليه حديث الإمام الرضا (ع) حدث فريد، أي دعوة  يُمتحن بها الناس. وهذا مصداق لقولهم (ع) إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ على عهد رسول الله (ص)، أي إن أعداداً قليلة تتبعه. 

أعلم إن حديثي هذا تشمئز منه القلوب، ولكن ما حيلتي والروايات تتحدث عن عشرة آلاف هم كل جيش القائم، بينما الشيعة اليوم يعدون بالملايين! ويزيد الأمر وضوحاً أن عصر الظهور يشهد كثرة الرايات التي يدعي أصحابها أن كلاً منهم هو القائد أو المرجع، مما يشير الى أن الفتنة ليست حدثاً خارجياً مثل تسلط طاغية أو غيره، وإنما هو دعوة محقة يقابلها الناس بالإعراض والسخرية، والتعصب للمرجع والقائد. 

ومما يدل على وجود الدعوة أيضاً ما ورد عن أبي جعفر الباقر (ع): (صاحب هذا الأمر أصغرنا سناً، وأخملنا شخصاً. قلت: متى يكون ذاك؟ قال: إذا سارت الركبان ببيعة الغلام، فعند ذلك يرفع كل ذي صيصية لواء، فانتظروا الفرج) (غيبة النعماني: 190).        

فالبيعة رديفة الدعوة حتما، وسير الركبان بها دليل انتشارها وبلوغها أكثر الناس. وأما الألوية التي يرفعها (كل ذي صيصية) = (أي كل ذي نفوذ وقوة) فكناية عن الدعوات الضالة التي ترافق ظهور القائم، والتي يرفعها دون شك فقهاء آخر الزمان وأعوانهم، فالمنافسة تقتضي شبهاً في التوجه والخطاب (الرايات المشتبهة). وقوله: (فانتظروا الفرج) يدل على أن البيعة تسبق الفرج، أي تسبق الظهور المقدس للإمام المهدي (ع)، فلمن تكون البيعة، إن لم تكن لليماني الموعود الذي يدعو للإمام (ع)؟    

ولنتذكر ما ورد عن مالك الجهني، قال: قلت لأبي جعفر (ع): ( إنا نصف صاحب الأمر بالصفة التي ليس بها أحد من الناس. قال: لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى يكون هو الذي يحتج عليكم بذلك، ويدعوكم إليه ). 

فهذا الحديث ينص على أن ثمة احتجاج ودعوة يشرع بها صاحب الأمر، ستكون البيعة نتيجة لها دون شك. وأكثر من ذلك سيكون لصاحب الأمر أصحاب يجتمعون في مكان معلوم، فعن أبي جعفر (ع): (يكون لصاحب هذا الأمر غيبة... الى أن يقول: حتى إذا كان قبل خروجه أتى المولى الذي كان معه حتى يلقى بعض أصحابه، فيقول: كم أنتم ها هنا؟ فيقولون: نحو من أربعين رجلاً...) (النعماني: 187).  والمولى الذي تشير له الرواية تصطلح عليه رواية أخرى ب (المولى الذي ولي البيعة)، فعن أبي جعفر (ع): (..حتى إذا بلغ إلى الثعلبية قام إليه رجل من صلب أبيه.. إلى قوله: فيقول المولى الذي ولي البيعة..) (بحار الأنوار ج52ص343).  

ومما يُستدل به على المطلب ما ورد عن أبي عبد الله ع قال: ( قال رسول الله ص طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتد به قبل قيامه يتولى وليه و يتبرأ من عدوه و يتولى الأئمة الهادية من قبله أولئك رفقائي و ذوو ودي و مودتي و أكرم أمتي علي قال رفاعة و أكرم خلق الله علي ). الغيبة للطوسي ص : 456.

وعنه (ع) قال: ( قال رسول الله ص طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتد به قبل قيامه يأتم به و بأئمة الهدى من قبله و يبرأ إلى الله عز و جل من عدوهم أولئك رفقائي و أكرم أمتي علي )  كمال‏الدين ج : 1 ص : 287.

وقوله (ص): (وهو مقتد به قبل قيامه ) و (وهو مقتد به قبل قيامه يأتم به ) يدل على وجود دعوة من خلالها يتم التعرف على القائم ومبايعته والإقتداء به قبل قيامه أو خروجه المسلح، بل لعل القارئ يشعر أن قبول الدعوة لن يتوفق له الجميع بسبب الشبهات التي يثيرها فقهاء السوء، ومن هنا يأتي المدح العظيم الذي يصف به الرسول (ص) بقوله ( طوبى .. الخ ). وعدم التوفيق هذا دلت عليه روايات الغربلة والتمحيص التي تصف خروج المتشيعة عن ولاية آل محمد (ع)، وبقاء من أخذ الله عهده في الذر الأول فقط. 

وهنا في الحقيقة يمكننا أن نجد مدخلية للروايات الكثيرة التي بيّن من خلالها أهل البيت (ع) الطريقة التي يمكن التعرف من خلالها على الحجة (ع) من قبيل ما ورد عن المفضل بن عمر قال سمعت أبا عبد الله ع: ( يقول إن لصاحب هذا الأمر غيبتين يرجع في إحداهما إلى أهله و الأخرى يقال هلك في أي واد سلك قلت كيف نصنع إذا كان ذلك قال إن ادعى مدع فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله ) غيبة النعماني ص173.

فالإمام الصادق (ع) لم يقل هنا كذبوا المدعي بل قال اعرفوه من خلال معرفته بالعظائم، الأمر الذي يشير إلى أن القائم (ع) سيأتي ويدعي أنه القائم وسيُمتحن به الناس، والإمام (ع) يحدد المسلك الصحيح لمعرفته وهو السؤال عن العظائم، وهذا السؤال غير مختص بطائفة من الناس، فالجميع ممتحن بمعرفة القائم والملتوي عليه من أهل النار، ولا تتاح فرصة السؤال إلا إذا كانت ثمة دعوة يباشرها القائم، وأنصار له يدعون الناس لمعرفته واتباعه.

ولعل ثمة روايات أخرى يمكن أن يُستدل بها على المطلب غير أن ما تقدم كاف إن شاء الله تعالى. 

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 52 - ص 375:

عن سلام بن المستنير قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يحدث : إذا قام القائم عليه السلام عرض الايمان على كل ناصب فان دخل فيه بحقيقة وإلا ضرب عنقه أو يؤدي الجزية كما يؤديها اليوم أهل الذمة، ويشد على وسطه الهميان، ويخرجهم من الأمصار إلى السواد .

0 تعليق على موضوع "من هوه اليماني؟بحث مفصل"


الإبتساماتإخفاء